ابن حزم
464
الاحكام
فإن قال قائل : فما معنى قول الله تعالى : * ( الآن خفف الله عنكم ) * في الآيات المذكورات . وما هذا التخفيف ؟ وهو شئ قد خاطبنا الله تعالى به وامتن به علينا فلا بد من طلب معناه والوقوف على مقدار النعمة علينا في ذلك ، وما هذا الشئ الذي خفف عنا ، لنحمد الله تعالى عليه ، ونعرف وجه الفضل علينا فيه . فالجواب وبالله تعالى التوفيق : إن هذا السؤال صحيح حسن ، ووجه ذلك أن أول الآية يبين وجه النعمة عليه وموضع التخفيف ، وهو قوله تعالى : * ( حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) * فكان في هذه الآية التحريض لنا على قتالهم ، وإيجاب نهوضنا إليهم وهجومنا على ديارهم ، ونحن في عشر عددهم ، هذا هو ظاهر الآية ومفهومها الذي لا يفهم منها أحد غير ذلك ثم خفف عنا تعالى ذلك وجعلنا في سنة من ترك التعرض للقصد إلى محالهم ، إذا كان المقاتلون من الجهة المقصودة أكثر من ضعيفنا ، وكنا بالآية الأولى في حرج إن لم نغزهم ونحن في عشر عددهم ، فنحن الآن في حرج إن لم نقصدهم إذا كان المقاتلون من الجهة المقصودة مثلينا فأقل ، فإن كانوا ثلاثة أمثالنا فصاعدا فنحن في سعة من أن لا نقصدهم ما لم ينزلوا بنا ، وما لم يستنفر الامام أو أميره ، إلا أن نختار النهوض إليهم وهم في أضعاف عددنا . فأي هذه الوجوه الثلاثة كان قد حرم علينا الفرار جملة ، ولو أنهم جميع أهل الأرض والملاقي لهم مسلم واحد فصاعدا ، فهذا هو وجه التخفيف . وبهذا تتآلف الآيات المذكورة مع قوله تعالى : ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ومع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإذا استنفرتم فانفروا ومع إجماع الأمة على أنه إذا نزل العدو ساحتنا ، ففرض علينا الكفاح والدفاع . وأيضا فقول الله عز وجل : * ( الان خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ) * يبين وجه التخفيف ، وإنما هو عن فيه ضعف فقط ، فصار هذا التخفيف إنما هو عن الضعفاء فقط كقوله تعالى : * ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ) * الآية . ومن النسخ الذي بينه النص قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنقول